محمد أبو زهرة

3555

زهرة التفاسير

( الباء ) للمقابلة فإذا كان المحسنون يجازون بالحسنى وزيادة ، فحسب المشركين أن تجازى السيئة بمثلها ، كما يقول تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها . . . ( 160 ) [ الأنعام ] . والمثل كثير إزاء ما ارتكبوا ؛ فالشرك مثله من الجزاء كبير فلا حاجة إلى الزيادة ، وقد ذكر سبحانه وتعالى هنا كلمتين نرى فيهما : أولا : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) الكلمة لا تدل على مجرد ارتكاب الذنوب ، بل تدل على أن هذه الذنوب أشربت بها نفوسهم وكسبتها قلوبهم حتى صارت وكأنها كالجبلّة لهم إن لم تكن كالفطرة منهم . وفي اكتساب السيئات قال سبحانه : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) [ البقرة ] . ثانيا : كلمة بِمِثْلِها أي بمثل السيئة ، وهذا في المقابلة والمشاكلة اللفظية فالجزاء ليس سيئة إنما هو العدالة التي ليست سيئة في ذاتها ، كقوله تعالى : . . . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . . ( 194 ) [ البقرة ] . ولكثرة سيئاتهم وتضافرها أظلمت بها نفوسهم ، ويوم الحساب تظهر ظلمة القلوب ظلاما في وجوههم ، ولذا قال تعالى : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً . هنا تشبيه واستعارة ، أما الاستعارة فهي قوله تعالى : قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً وفيها يبدو الليل كأنه الثوب الأسود الذي قطع قطعا . وأما التشبيه في قوله تعالى : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ أي ألبست وأغطيت بقطع مظلمة ، وهذا تصوير لسواد وجوههم بما اقترفوا ، فقلوبهم المظلمة تكسو وجوههم بالظلام ، وفي هذا التصوير الحسى تصوير معنوي لنفوسهم .